القانون والقانون الكنسي: لماذا؟

E poi? …
21 giugno 2018
And Then What?
15 luglio 2018

القانون والقانون الكنسي: لماذا؟

في الكليات الحبرية  الرومانية، متعارف بين الطلبة طرفة تخبر عن الفارق بين اللذين يدرسون الفلسفة واولئك اللذين يدرسون اللاهوت والقانون الكنسي: فمن درس الفلسفة فقد صوابه بعد فترة قصيرة، ومن درس اللاهوت فقد إيمانه أما طلبة القانون… ببساطة أضاعوا وقتهم! ولكن بعد بضع دقائق، في الوقت الذي يسرد أحدهم هذه الطرفة ويضحك المستمعون ويسخرون من الضحية المستهدفة أي طالب القانون الكنسي،  الذي يجاوب مستعينا بكلام صاحب المزمور قائلاً: “هكذا يقول الضال” (مز 9)، أو “قال الجاهل في قلبه” (مز 52).

وبما أنني مقتنع تماماً من إجابة هذا الطالب، ولكن ليس بغريب دعوة من يقرأ هذا المقال، وقد اختاره لأسباب عدّة، راغبا بإمكانية إيجاد جواب مقنع، للتفكير حول أهمية القوانين بشكل عام وتلك الكنسية خصوصا ودورها في أيامنا هذه.

حتماً وقبل كل شيء نلاحظ من خلال تساؤلنا على مستوى معنى القانون لنا، نقترح الانطلاق من المفهوم الخاص بالفلسفة أي كما احبّ ان يكرر دوما الفيلسوف بول ريكور (1913-2005) :” تلبية دعوة الفلسفة الى طرح الأسئلة والتفكير عميقاً”.

هكذا تماماً، أدعو للتفكير، للطرح على ذواتنا الأسئلة الصحيحة: وبشكل متناقض اهمية عدم جعل كينونتنا عرضة لمرور الزمن دون جدوى، وعدم الادعاء بامتلاك كل الاجوبة والحلول، ولكن بالحري طرح الأسئلة الصحيحة على ذواتنا وفي مكانها.

في الواقع، وكما يردد العالم في القانون والفلسفة القانونية جوزيبي كابوغراسي (1889-1956)، ان للفيلسوف واجب وحيد الا وهو اكتشاف تعاليم الحياة الخفية والافصاح عنها.

وعلى ضوء هذا، يمكننا فهم كم كان جواب الطالب الذي ذكرناه آنفا محقّاً عندما وصف بالجاهل والغبي  من سخر من طلبة القانون الكنسي معتبراً اياه مضيعة للوقت.  ولكن قبل كل شيء علينا أن نتحقق من صحة أو عدم صحة هذه الطرفة التي انطلقنا منها. كما هي الحال دوما، هذه الطرفة تحمل في طياتها أماكن مشتركة وأيضاً نوع من الحقيقة. حول واقع القانون تتجلى مناهج وسلوكيات مختلفة ، ففي بعض الأحيان هي في صراع مفتوح مع بعضها البعض.

من المؤكد أنه من المعتاد إدراك القانون كمجموعة من القواعد، الأعراف والقوانين التي تحدّ من التطلعات المشروعة للحرية الكاملة وتحقيق كل منهما ، ومن ناحية أخرى ، هناك أيضًا قناعة واسعة للقانون باعتباره أداة تعسفية بيد من يمتلك السلطة ، والذي يستخدمها كما يشاء وعندما يشاء ومع من يجده مناسبًا: مجرد أداة لقوة تعسفية.

وفي هذا الصدد تبقى دوما وللأسف واقعية  إجابة جيوفاني جيوليتي (1842-1928) ، على  السؤال الذي طرحه هو نفسه: “ما هو القانون؟”: إن القانون يتم  تفسيره من أجل الأصدقاء و يطبق على الأعداء!

أو كما يستعين البعض مازحا بتماثيل الرسولين بطرس وبولس في ساحة الفاتيكان وحركة يديهما للشرح القوانين الكنسية. فتمثال القديس بولس يمكن تفسيره: “هنا تسن القوانين” وتمثال القديس بطرس الذي يمكن تفسيره: “هناك بعيدا تطبق”!

هذه الطريقة برؤية وفهم القانون تنشأ ، من المعرفة المحدودة للمجال القضائي وما هو مناسب له ، والتي لا تسمح لنا بالتمييز بين الفلسفة  وعلم القانون ، بين القانون كحامل للعدالة و الحق كمجرد ارادة. وبغض النظر عن جميع النظريات المتعلقة بالقانون والعدالة ، ليس كل شخص  لديه المعرفة  الكاملة حول القانون وفلسفة القانون وتفسيره، وكيف بالحري إذا ما كان هذا الشخص ولسوء الحظ قد وقع ضحية نوع من الظلم جراء التطبيق المغلوط للقوانين، في تلك اللحظة لن يحتاج إلى أي نظرية أو تفسير!

عندما يُجبر المرء في الحياة الاجتماعية على التذرع والتسول للحصول على ما هو من حقه كنعمة، أو إذا كان هو نفسه ضحية “عدالة” موجزة ، مقدمة  كعدالة فمن الضروري في تلك اللحظة حيث بالفعل نستذكر كلام  تيرينس (١٨٥-١٥٩ ق.م) و شيشرون (١٠٦-٤٣ ق.م.):  “مغالاة في القانون، الاسهاب في اللاعدالة” الذي يعيق الحق الطبيعي من معرفة المُتِّهم والمتهوم ، وأيضا عندما يواجه المرء الجدار المطاط لجهاز إداري أو قضائي يقتصر على الاستجابة أو عدم الاستجابة في الأوقات المطلوبة ، يعني أننا نتعامل مع جهاز حكم فاسد.

لهذه الأسباب ، من المهم إذاً ، العودة إلى معنى القانون الذي يُفهم على أنه بُعد لا يمكن محوه للطبيعة البشرية ، والذي يحكم العلاقات المشتركة بين الأفراد وفقا للعدالة ، والتي تُفهم على أنها مقياس لما هو مستحق ، لتكون قادرة ، وفقا لرسالة الإنجيل للانفتاح على المحبة، المفهومة على أنها لا تقاس، على هذا النحو ، تفترض دائما وجود هذا الإدراك ، وبالتالي معنى العدالة (حيث ليس هناك محبة بلا عدالة).

هذا البعد القانوني في طريقة العيش الاجتماعي يشبه أيضا طبيعة البعد الاجتماعي في الكنيسة التي ارادها واسسها المسيح وجعلها اداة، من حيث قوانينها وتنظيمها، لخلاص النفوس. (نور الامم رقم 8 ) .

لا ننسى أبداً ، في ضوء الأنثروبولوجيا الصحيحة ، أن مبدأ عدالة ترجع إلى الآخر اي الاعتراف بحقيقة ووجود الآخر: انسان خلق على صورة الله ومثاله، مفتدى بدم المسيح ومن أجل ذلك فهو مدعو ليكون مشمولا بمبدأ الاخوة  وليس مجرد “شريك”. بذلك نتحاشى الوقوع في شرك اعتبار القوانين رغبة لتحقيق انانيات محدودة متناسية طبيعة وحقيقة وكرامة الأنسان وأيضا الآخرين.

لذا، في كل مجتمع مدني  كمافي الكنيسة الكاثوليكية ، المشكلة الحقيقية الوحيدة هي ليست وجود أو عدم وجود قوانين أو قواعد قانونية ، بل أن يكون لدينا قوانين جيدة ومعايير قضائية جيدة. نكتشف من جديد بأن القوانين والقواعد يجب تطبيقها بضمير، ليس لأنها مكتوبة في الكتب القانونية، ولكن لأنها صحيحة وبالتالي تسمح بتحقيق الخير العام.

لذلك كان محقا أ. كوفمان (1872-1938) عندما كتب ان الدولة لا تخلق الحق. ولكنها هي، أي الدولة، والشرائع يخضعان للحق!

من هذا المنظور ، بطبيعة الحال دون المساس  بمبدأ المساواة والحقوق، من أجل تحقيق العدالة “هنا والان”  (حيث بعض الاجراءات القانونية ، مثل التفسيح والامتيازات ، ليست سوى أدوات لتنفيذ العدالة) ،وهنا تكمن اهمية تطبيق القوانين والعدالة وعدم الوقوع في شرك الاستنسابية او الاعفاء الذاتي من تطبيق القوانين عملا بمبدأ عالم القانون أولبيانو (170-228) الذي كان ينتقد كيف كان الامبراطور يعفي ذاته من القوانين.  والحقيقة هي أنه في نهاية، الاستنسابية وعدم تطبيق القوانين والعدالة تعرض منظومة الحكم لدفع الثمن باهظا!

لذلك من اجل حكم صالح ، هناك الحاجة لقوانين محددة ، كما كان ينبه تاشيتو (55-120) : “في كثرة القوانين يكمن الفساد”! والقوانين يجب ان تراعى من الكل، حاكما كان محكوما، لان العدالة كما كان يردد مار توما الاكويني هي الغاية بحد ذاتها. أي مبدأ وغاية العدالة: العدالة. وتطبيق العدالة يساهم في العيش الاجتماعي بسلام.

كما نرى استخدام وتطبيق القانون ، يتطلب الدراسة والكفاءة ، والحب في البحث عن الحقيقة من اجل خدمة الخير العام وتحقيقه، وذلك يتطلب التربية والعمل لامتلاك فضائل كالحكمة والتدبير وامتلاك الحس السليم ، وقبل كل شيء ، الصدق االعقلي والأخلاقي!

من بين العديد من الامثلة ،  نسرد هنا مثل واحد فقط:  في الاشكالية  الحساسة والمزمنة  بين “الحقيقة” و “الشكل”، في تطبيق العدالة  في المجال الإداري والقضائي، فللقانوني يبقى خيار واحد: الحقيقة الموضوعية (حكما ليست الحقيقة الكامنة في الاصول التطبيقية).

لذا ، إذا نجحنا في إثارة تفكير أعمق حول ضرورة القانون والحصول على قوانين قليلة وجيدة ، يجعلنا نأمل يأن يوافق الكثيرون على جواب ذلك الطالب الذي ذكرناه في مقدمة المقال هذا.

 

في الواقع ، كما ورد في الكتاب المقدس ، حيث  يعتبر “جاهلا” الذي لم يعترف بنفسه كمخلوق ، وبالتالي لم يعترف بالله على أنه خالق ، ولم يعبده ، وبالتالي تصرف كخاطئ ، وفوق كل شيء كان ظالما لليتيم والأرملة.

المواقف المتكررة واللاذعة التي اتخذها يسوع تجاه الفريسيين هي لانهم بتطبيقهم الحرفي للقوانين ، تناسوا خدمة العدالة و احترام الإنسان.

حتى مصطلح “الغبي” يستخدم في الكتاب المقدس ، ليس فقط للأشخاص المحدودين في الذكاء ، لكن للدلالة على الاشخاص الذين يسلكون في طريق اخلاقية ليست على حسب شرائع وتعاليم الله.

على وجه الخصوص ، في كتب الحكمة ، ينقسم البشر إلى فئتين: حكماء وحمقى: “إن الحكماء سيرثون المجد ، لكن العار هو جزاء الحمقى” سفر الامثال الفصل 3.

هذا التوزيع الكتابي للبشر سوف يستمر وهذا ما يعرض البشرية للنزاعات . ولذلك ، فإن جميع العلماء والعاملين  النزيهين في مجال القانون لا يضيعون وقتهم – كما يدعي من لا يعرف اهمية القوانين ودورها – لأنهم في الحقيقة مدعوون لبناء مجتمع صالح لخدمة الناس وتأسيس الحكم وخدمة الخير العام.

P. Bruno, O. P.

(Ringrazio sentitamente per la traduzione in lingua araba dell’articolo “Perché il Diritto ed il Diritto Canonico?”, il P. Prof. Maged Maorun, O. A. M.).